Print this page

واشنطن تضيق هامش التفاوض..  ضغوط على طهران لتقديم تنازلات نووية

تدخل الوساطة بين واشنطن وطهران مرحلة دقيق

في وقت يضغط فيه الوسطاء على إيران لتقديم تنازلات صريحة بشأن برنامجها النووي مقابل إحياء مسار السلام، بينما أغلق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الباب أمام مقترح الهدنة الإيراني، وجدّد تصريحاته بأن الحرب تتجه إلى "نصر شامل". وبين الطرفين تتراكم شروط متبادلة وحسابات سياسية وعسكرية تجعل فرص الاختراق ضئيلة، بحسب ما نقلته صحيفة "وول ستريت جورنال".

يقرّ الوسطاء المشاركون في المحادثات، كما تنقل الصحيفة، بأنّ محاولتهم تبدو ذات آمال ضئيلة،  وتنبع الصعوبة من أنّ ترامب لم يعد ينظر إلى الصراع بالطريقة نفسها. فهو يسعى إلى إعادة صياغته حول هدفه الحربي الأصلي، ويحاول تحويل مسار المحادثات بعيدا عن قضية تحرير مضيق هرمز من قبضة إيران، وهي القضية التي كانت تتصدر النقاش. ويعني ذلك أنّ أي عرض إيراني يبدأ من الملاحة والعقوبات سيصطدم بأجندة أمريكية تريد البدء من الملف النووي.

وزادت لغة ترامب من حدة المشهد ففي خطابه أمام الأمم المتحدة الأسبوع الماضي، قال إنه يدرس خيار "القضاء التام" على الحكومة الإيرانية لمنعها من الحصول على القنبلة. وحتى مع تحفظنا على ما يعنيه هذا التعبير عمليا، فإنه يرسل إشارة واضحة إلى أن واشنطن لا تريد اتفاقا جزئيا أو مؤقتا، وأن سقف الخطاب الرسمي مرتفع.كما تلفت الصحيفة إلى أن ترامب أبدى رفضا صريحا وواضحا للعودة إلى مذكرة التفاهم مع إيران، وهو ما يجعل احتمالات التهدئة محدودة أصلا.

في المقابل، جلست طهران إلى طاولة التفاوض وفي جعبتها مقترح جديد فقد أعلن وزير الخارجية عباس عراقجي للصحفيين الخميس الماضي، على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، أنّ بلاده قدمت للولايات المتحدة مقترحا لإعادة فتح مضيق هرمز في غضون سبعة أيام.وأوضح عراقجي أن الاتفاق سيُبنى على مذكرة التفاهم التي أبرمها البلدان في جوان الماضي، وأنه لن يُنفذ إلا إذا استُوفيت شروط محددة. ووفق ما ورد، يقوم المقترح على العودة إلى تلك المذكرة، التي كانت تفتح الطريق أمام استعادة الملاحة في هرمز ثم بدء مفاوضات نووية. وفي المقابل تطالب إيران بتخفيف العقوبات الأمريكية، والإفراج عن أموال إيرانية مجمدة، وإنهاء الحصار.

ويرى مراقبون أن جوهر الخلاف لم يعد يتعلق فقط بوقف العمليات العسكرية، وإنما بصورة الاتفاق الذي يمكن أن ينهي المواجهة. فواشنطن تريد اتفاقا يضمن، وفق تصورها، منع إيران من إعادة بناء قدراتها النووية العسكرية، بينما تسعى طهران إلى اتفاق يوقف الضغوط العسكرية والاقتصادية ويمنحها ضمانات بعدم تعرضها لهجوم جديد بعد توقيع أي تفاهم.

وفي هذا السياق، تبدو مسألة الضمانات الأمنية واحدة من أكثر الملفات تعقيدا فقد نقلت الصحيفة عن مسؤول حكومي رفيع المستوى في الشرق الأوسط مشارك في المحادثات، أن إيران كانت قريبة في وقت سابق من العام من تقديم تنازلات خلال مفاوضات مع نائب الرئيس الأمريكي "جي دي فانس"، لكنها كانت تطالب بضمانات واضحة تحول دون تعرضها لهجوم إسرائيلي بعد التوصل إلى اتفاق مع واشنطن.

وتكشف هذه النقطة، وفق محللين، عن أحد أبرز أسباب تعثر المسار التفاوضي، إذ لا تنظر طهران إلى أي اتفاق نووي باعتباره تسوية منفصلة عن أمنها العسكري، في حين تريد واشنطن فصل الملف النووي عن بقية عناصر الصراع وإبقائه في مقدمة أي اتفاق مقبل.

ويقول مراقبون إنّ المعضلة لم تعد في العثور على قناة اتصال بين واشنطن وطهران، وإنما في تضييق الفجوة بين تعريف كل طرف للضمانات المطلوبة، فإيران تريد ضمانا لبقائها خارج دائرة الاستهداف، بينما تريد الولايات المتحدة ضماناً بأن أي تنازل نووي سيكون قابلاً للتحقق والمراقبة.

وفي موازاة المسار الدبلوماسي، تستمر المواجهة الاقتصادية في الضغط على الطرفين. فالإدارة الأمريكية تراهن على أنّ الحصار والضغوط على حركة الملاحة والطاقة يمكن أن تزيد كلفة المواجهة على الاقتصاد الإيراني، في حين تراهن طهران على قدرتها على تحمل ضغوط طويلة الأمد وعدم تقديم تنازلات تحت تأثير العقوبات وحدها.

وتبدو هنا معركة مضيق هرمز جزءا أساسيا من معادلة الضغط المتبادل. فطهران تحاول استخدام السيطرة على حركة الملاحة كورقة تفاوضية، بينما تسعى واشنطن إلى تقليص قدرة إيران على تحويل المضيق إلى أداة ضغط على الأسواق العالمية. ومن شأن استمرار الاضطراب في هذا الممر الحيوي أن يبقي أسعار النفط والطاقة في دائرة التوتر.

مرحلة ضبابية

وفي الوقت نفسه، لا تظهر حتى الآن مؤشرات قوية على استعداد إيران لتقديم تنازلات إضافية من دون مقابل أمريكي. وبحسب مسؤولين ووسطاء عرب نقلت عنهم الصحيفة، فإن طهران تطالب واشنطن بخطوات مقابلة قبل الانتقال إلى أي مفاوضات جديدة، في مقدمتها تخفيف العقوبات والإفراج عن أموال إيرانية مجمدة وإنهاء الحصار.

أما ترامب، فيقدم المشهد من زاوية مختلفة تماما، إذ يؤكد أن الولايات المتحدة حققت نجاحات عسكرية واقتصادية، وأن الهدف الأساسي للحرب يتمثل في منع إيران من امتلاك سلاح نووي. وفي مقابلة مع "فوكس نيوز"، قال إن حسم الحرب بات قريبا، وربط انتهاء الصراع بتراجع أسعار النفط وعودتها إلى مستويات ما قبل اندلاعه.

كما أكد أن الضغط على إيران يجري عبر المسارين العسكري والاقتصادي في آن واحد، مشيراً إلى أن العمليات العسكرية حققت، بحسب تقييمه، نجاحات كبيرة، وأن واشنطن ماضية نحو ما وصفه بانتصار كامل.

وتعكس هذه التصريحات اتجاها أمريكيا نحو رفع سقف المطالب قبل العودة إلى طاولة التفاوض. فإدارة ترامب لا تريد، وفق هذا الطرح، اتفاقا يعيد إنتاج تفاهمات سابقة، بل تسعى إلى صيغة تمنحها ضمانات أكبر بشأن البرنامج النووي وتضعف قدرة طهران على استخدام أدوات الضغط الإقليمية.في المقابل، تبدو الحسابات الإيرانية قائمة على عامل الزمن. فطهران تراهن على قدرتها على الصمود أمام الحصار، وعلى احتمال تغير البيئة السياسية الأمريكية، فيما تشير تقارير نقلتها "وول ستريت جورنال" إلى أن مسؤولين إيرانيين يعتقدون أن نتائج انتخابات التجديد النصفي الأمريكية في نوفمبر قد تؤثر في حسابات إدارة ترامب تجاه استمرار المواجهة.

غير أن هذا الرهان يحمل بدوره مخاطر، إذ إن استمرار الحرب لفترة أطول قد يزيد الضغوط الاقتصادية على إيران، في حين أن استمرار إغلاق أو اضطراب الملاحة في هرمز يمكن أن يرفع كلفة المواجهة على الاقتصاد العالمي ويزيد الضغط الدولي من أجل التوصل إلى تسوية.

وبذلك، تبدو المفاوضات المحتملة أمام ثلاثة ملفات مترابطة وهي البرنامج النووي الذي يمثل أولوية واشنطن، ومضيق هرمز الذي يمثل ورقة الضغط الأبرز لدى طهران، والملف الاقتصادي الذي يشكل مساحة المقايضة بين الطرفين. وبينما تصر الولايات المتحدة على أنّ أي اتفاق جديد يجب أن يبدأ من الملف النووي، تريد إيران أن يبدأ المسار من وقف الضغوط وفتح المجال أمام الملاحة وتخفيف العقوبات.

وفي ظل هذا التباعد، تبقى فرص استئناف مفاوضات مستقرة محدودة في المدى القريب، ما لم تنجح الوساطات في بناء صيغة متدرجة تسمح لكل طرف بالحصول على مكسب أولي من دون أن يبدو وكأنه قدم تنازلا استراتيجيا. ومن هنا، قد لا يكون السؤال الأهم هو ما إذا كانت واشنطن وطهران ستعودان إلى التفاوض، بل أي طرف سيتمكن من فرض شروط البداية عندما تفتح نافذة التفاوض مجددا.

المشاركة في هذا المقال